العقبة السياسية والسيادية (الجزء الأول)
فؤاد برني
7/19/20261 دقيقة قراءة


العقبة السياسية والسيادية (الجزء الأول)
الملف الديني والهاجس الأمني: حين يُدار حق المواطنة بمنطق الضبط والرقابة
في المقال السابق طرحنا سؤالاً مركزياً: كيف تحولت اتفاقية التعاون لسنة 1992 من مكسب قانوني وتاريخي مهم إلى واقع لا يزال المسلمون يطالبون فيه إلى اليوم بجزء كبير من الحقوق التي نصت عليها؟
وقلنا إن الجواب لا يمكن اختزاله في عامل واحد، ولهذا كان من الضروري أن نبدأ بتشريح أول معوق من المعوقات الكبرى، وهو طبيعة النظرة التي تتعامل بها الدولة الإسبانية مع الملف الإسلامي. فحين نتحدث عن أي جماعة دينية، فإن السؤال الأساسي يكون عادة: كيف يمكن ضمان حقها في ممارسة شعائرها وحماية حريتها الدينية؟ لكن حين يتعلق الأمر بالإسلام، يبدو أن هناك سؤالاً آخر يرافق السؤال الأول باستمرار: كيف يمكن مراقبة هذا المجال وضبطه وضمان عدم تحوله إلى مصدر قلق مستقبلي؟
بين الرعاية والرقابة: كواليس العمل الميداني
خلال سنوات العمل المؤسساتي، كان واضحاً أن الملف الإسلامي لا يُنظر إليه فقط باعتباره ملفاً دينياً أو حقوقياً، بل باعتباره أيضاً ملفاً سيادياً وأمنياً. ولعل من أبرز الشواهد التي عايشتها شخصياً أن افتتاح مسجد جديد أو مركز إسلامي كان نادراً ما يمر دون اهتمام خاص من الجهات الأمنية المختصة؛ حيث تُطرح أسئلة تفصيلية حول القائمين على المشروع، وطبيعة أنشطته، ومصادر تمويله.
ومن منظور الدولة، قد يبدو هذا السلوك أمراً طبيعياً يدخل ضمن مهام المتابعة والاستباق والحفاظ على الأمن العام في سياق أوروبي عام شهد تحولات كبرى. لكن النزاهة الفكرية والميدانية تقتضي منا الاعتراف بأن هذا الهاجس الأمني لم يأتِ من فراغ؛ بل قد يكون تغذّى بشكل مباشر على غياب الشفافية والعمل العشوائي والارتجالي الذي يطبع مسار العديد من الجمعيات الدينية في هذا البلد. إن تدبير الشأن المسجدي بعيداً عن أطر الحكامة المالية المعاصرة، والاعتماد على التدفقات النقدية غير المبررة، والغموض والضبابية التي تحيط بمصادر التمويل والارتباط بجهات خارجية، ينضاف إليها أثر الخطاب الديني المستورد والمنفصل عن بيئة المقصد؛ حيث يعمد بعض الخطباء الوافدين إلى إعادة إنتاج أطروحات ومواقف مرتبطة بالدول والبيئات السياسية والاجماعية التي أتوا منها، وهي مضامين لا تتماشى في كثير من الأحيان مع واقع المسلمين ولا مع المنظومة القانونية والدستورية الإسبانية.
كما لا يمكننا إغفال كيف أن بعض الأحداث الأمنية والمأساوية التي هزت أوروبا، والتي لم تكن إسبانيا ببعيدة عنها ولا استثناءً منها؛ إذ عاشت في قلب هذه الصدمات وعانت من مرارتها على أرضها، قد ساهمت بشكل جذري في تأطير نظرة السلطات وتوجيه تعاملها المتوجس مع المسلمين. غير أن عجز الإدارة عن الفصل بين محاربة الجريمة وصون حقوق المواطنة قد أسقط تلك الهواجس في فخ التعميم والاشتباه المسبق، وهو ما يحمل في طياته ظلماً صارخاً وإجحافاً كبيراً بحق المسلمين في هذا البلد، الذين طُلب منهم دفع ضريبة أفعال لا صلة لهم بها. كل هذه السلوكات الهاوية والممارسات المعطوبة، مصحوبة بتلك التراكمات الأمنية الداخلية والخارجية، قد خلقت مناخاً خصباً يمكنه إثارة شكوك السلطات، وتحفيز مخاوفها من إمكانية تعامل تلك الجمعيات مع جهات قادمة من وراء الحدود بأجندات مشبوهة أو خطابات غير متكيفة، مما قد يمنح الدولة مبرراً منطقياً وقانونياً لتبني مقاربة حمائية مفرطة في الحذر والتدقيق المستمر.
ومع ذلك، من منظور الفاعلين المسلمين الذين يشتغلون بنزاهة وإخلاص، كان هذا الواقع يبعث أحياناً برسالة مختلفة مفادها أن المشروع الإسلامي يُطلب منه باستمرار أن يثبت براءته وحسن نواياه قبل أن يُنظر إليه باعتباره مؤسسة مدنية عادية. وقد أفرز هذا الضغط المستمر حالة من القلق الوجودي والتوجس الدائم لدى العاملين في الميدان؛ وهو تخوف مريب بات يهدد بتشويه طبيعة العمل الجمعوي نفسه. فبدلاً من أن تظل هذه الفضاءات بيئة حاضنة للفاعلين النزهاء الذين يقدمون خدمة حقيقية للمجتمع ويدافعون عن الحقوق المشروعة للمسلمين بكرامة ومواطنة، تحولت بفعل سياسة التوجس والرقابة إلى مناخ طارد للكفاءات، ومحفز لبروز أنماط مشوهة من المنتفعين والانتهازيين، أو أولئك الذين يقبلون لعب دور المخبرين الإداريين طمعاً في مكاسب ضيقة أو نيل صكوك الرضا من السلطات على حساب أمانة خدمة القواعد.
وهنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي يتعامل فيه المسلم مع المسجد باعتباره فضاءً للعبادة والخدمة الاجتماعية، تتعامل معه بعض الجهات الرسمية باعتباره فضاءً ينبغي مراقبته والتحكم فيه. هذا التداخل بين هاجس التدبير العشوائي والخطاب غير المتكيف، وتأثيرات الأحداث الأمنية المحلية والأوروبية، والقواعد المقيدة للمقاربة الأمنية التي تؤثر سلباً على نزاهة الفاعلين، أثر عميقاً على مسار التفعيل الكامل لاتفاقية 1992 وجعل الأصل في التعامل هو التريث والمراقبة بدل التفعيل والتمكين والمواطنة الكاملة.
ومع ذلك، فإن هذا الهيكل الأمني المشترك بين ريبة الدولة وعشوائية القواعد ليس وحده السبب، فهناك زاوية أخرى لا تقل خطورة تُعرقل الحقوق، وهي النظر للإسلام فقط من عدسة "ملف الهجرة والأجانب"، وهو ما سنفككه في المقال المقبل بإذن الله.