العقبة السياسية والسيادية (الجزء الثاني)

فؤاد برني

7/19/20261 دقيقة قراءة

معضلة الخلط بين الملف الديني وملف الهجرة: الإسلام ومفارقة "الجسم الغريب"

تحدثتُ في الجزء الأول من هذا المقال عن أثر المقاربة الأمنية في تعطيل حقوق المسلمين في إسبانيا، غير أن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في الخلط الذي وقع ـ وما زال يقع أحياناً ـ بين الملف الديني والملف المرتبط بالهجرة والاندمَاج، وهو خلط ينتج عنه نوع من التعطيل غير المبرر لحقوق مالية وثقافية وتاريخية حاسمة.

فالمؤسسات الإسلامية في أصلها ليست جمعيات للهجرة، وإنما هي مؤسسات دينية يُفترض أن يكون دورها الأساسي الدفاع عن الحقوق الدينية التي يكفلها الدستور وتسيير الشأن الديني بمواطنة كاملة. لكن في كثير من المناسبات، كان يُنظر إلى المسجد، أو التعليم الديني، أو المقبرة الإسلامية، وإلى كل ما يتعلق بالمسلمين، من خلال العدسة نفسها التي يُنظر بها إلى ملفات الوافدين الجدد واحتياجاتهم اللوجستية المؤقتة.

سؤال التمويل: مفارقة العطاء الضريبي

وهنا يبرز سؤال جوهري طرحتُه في افتتاحية هذه السلسلة: لماذا لا تستفيد المؤسسة التمثيلية للمسلمين من أموال العطاء الضريبي (الـ Casilla del IRPF) أسوة بالكنيسة الكاثوليكية؟ إن بقاء الشأن الديني الإسلامي محرومًا من هذا الحق يكرس فكرة أن الإسلام لا يزال يُعامل كـ "دين من الدرجة الثانية" أو كملف يخص جالية أجنبية عابرة لا تستحق مأسسة تمويلها محلياً.

وإذا أردنا تشريح هذا الملف بنزاهة، سنجد أنه يرتكز على وجهين متكاملين: الأول هو غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى الإدارة الإسبانية لمأسسة الشأن المالي الإسلامي محلياً، والثاني ـ وهو الأشد مرارة ـ هو غياب المطالبة الجدية والمرافعة القانونية المحترفة من طرف المؤسسات التي تعاقبت على تمثيل المسلمين، والتي استسلمت للوضع القائم دون خوض معركة تشريعية وحقيقية لانتزاع هذا الحق الدستوري.

واقع جديد وأجيال ولدت في إسبانيا: أزمة الاغتراب والوصاية الخارجية

لقد كان هذا الخلط بين الدين والهجرة مفهوماً نسبياً في العقود الأولى، حين كان أغلب المسلمين من المهاجرين. أما اليوم فقد أصبح الواقع مختلفاً جذرياً؛ فهناك جيل ثانٍ وثالث ورابع، وُلد في إسبانيا، وتلقى تعليمه فيها، ويحمل جنسيتها ويعتبرها وطنه الطبيعي الوحيد. وإلى جانب هذه الأجيال، هناك معطى آخر كثيراً ما يتم تجاهله، وهو وجود عدد متزايد من المواطنين الإسبان الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام عن قناعة، فهؤلاء لا تربطهم بالإسلام أي علاقة هجرة، بل هم أبناء هذه الثقافة واللغة والبلد.

بيد أن استمرار مقاربة "الجسم الغريب" لا تتغذى فقط من الأنماط الجاهزة لدى الإدارة، بل تُكرسها أيضاً ممارسات داخلية معطوبة؛ ويتمثل ذلك في القبول بالتدخل الخارجي المستمر عبر "بعثات تأطيرية دينية وتوجيهية" تُرسل من وراء البحار لإدارة شؤون المسلمين وتلقينهم أطر التدين. هذا التبعية المؤسساتية للبعثات الخارجية توحي بشكل فج وبنيوي بأن الإسلام في إسبانيا ليس كياناً مواطناً مستقلاً، بل هو مجرد "امتداد سياسي وثقافي تابع لدول أخرى"، مما يمنح الإدارة والمجتمع مبرراً إضافياً للتعامل معه كعنصر أجنبي هجين لا يملك مقومات الإنتاج المحلي.

والخطورة الكامنة في تكريس هذه التبعية وهذا الخلط تكمن في أثره النفسي والاجتماعي العميق؛ إذ تولّد لدى الكثير من هؤلاء المسلمين، بما فيهم الإسبان الأصليون، إحساس مرير ومزمن بأنهم "غرباء" في وطنهم، ومستبعدون من هويته الجامعة. هذا الشعور بالإقصاء والاشتباه الدائم بات يدفع فئات عريضة منهم ـ في أحوال كثيرة ـ إلى الانكفاء على الذات، والانسلاخ التام من المشاركة النشطة في البناء المجتمعي والسياسي والمدني. إنها عملية طرد معنوي تُفقد الوطن كفاءات وطاقات شابة كان يمكن أن تكون رافعة لتقدمه، لولا أن سياسات التنميط وعقليات الوصاية الخارجية أشعرتهم بأن مواطنتهم مشروطة أو منقوصة. هذا التنوع البشري والواقع المعقد يفرضان على الإدارة الانتقال الفوري من مقاربة "إدارة الجالية الأجنبية" إلى مقاربة "إدارة التنوع الديني والمواطنة المتساوية".

العامل التاريخي المنسي وحق الإرث: سكان أصليون لا وافدون

وتكتمل المفارقة عند استحضار العامل التاريخي؛ فلماذا يُحرم المسلمون من التمتع بإرثهم التاريخي العائد لأجدادهم والاعتراف به كجزء من الهوية الوطنية؟ في كثير من الخطابات السياسية والإعلامية السائدة، يُقدَّم الإسلام وكأنه عنصر وافد، طارئ وحديث العهد، متجاهلين حقيقة تاريخية راسخة: وهي أن الحضارة الإسلامية استمرت في شبه الجزيرة الإيبيرية لقرابة 800 عام (ثمانية قرون)، وهو رقم ضخم يمثل أكثر من 40% من التاريخ المكتوب لإسبانيا. والأهم من ذلك، أن سكان تلك الحقبة الزاهرة لم يكونوا غرباء جاؤوا من فيافي بعيدة ليغادروا، بل كانوا في غالبيتهم الساحقة سكاناً أصليين أبناء هذه الأرض، اعتنقوا الإسلام وصنعوا على ترابه حضارة لا تزال بصماتها حية في اللغة، والعمران، والفلسفة، والعلوم، وحتى أسماء المدن والقرى.

ليس مقصودي هنا البحث عن امتيازات تاريخية، فالحقوق تُبنى على المواطنة والقانون الحاضر لا على الحنين، لكن من الصعب قبول النظر إلى دين ساهم بشكل هيكلي في تشكيل الهوية الحضارية لشبه الجزيرة الإيبيرية وكأنه "جسم غريب" بالكامل ومحروم من امتداده التاريخي والثقافي. لقد حان الوقت لينتقل النقاش من سؤال: "كيف نتعامل مع ظاهرة وافدة؟" إلى سؤال استراتيجي: "كيف ندير واقعاً دينيّاً هو ابن المجتمع الإسباني المعاصر وله جذور عميقة في وجدانه وترابه؟"

إن التعامل مع الإسلام كملف أمني أو امتداد للهجرة، وحرمانه من التمكين المالي والثقافي، وتهميش بعده التاريخي، كان أحد أبرز عوامل تجميد اتفاقية 1992. لكن، حتى لو اختفت هذه الهواجس غداً، سيواجه المسلمون معوقاً آخر لا يقل تأثيراً: إنه متاهة البيروقراطية وتداخل الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وهو ما سأناقشه في المقال القادم بإذن الله.

Conexión

Transforma tu viaje en una experiencia espiritual.

Rutas

Peregrinación

+34 665197587

© 2025. All rights reserved.

direccion@viajaconfe.com

+34 622704570