المتاهة الإدارية والبيروقراطية
فؤاد برني
7/19/20261 دقيقة قراءة


تشتت الصلاحيات والجهل بالقوانين: كلفة غياب التكوين المؤسساتي وتقصير "الشريكين"
إذا كانت العقبة السيادية تصنع التوجس، فإن المتاهة الإدارية هي الساحة اليومية التي يتحول فيها هذا التوجس إلى تعطيل بيروقراطي خانق لحقوق المسلمين في إسبانيا. وهنا ننتقل من التنظير السياسي إلى لغة الأرقام، والرخص، ومخططات التهيئة الحضرية، ومتاهة توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية، وحكومات الأقاليم المستقلة (Autonomías)، والبلديات (Ayuntamientos).
تشتت الصلاحيات وبيروقراطية "المحل التجاري"
إن هذا التشتت الصلاحياتي يُستغل أحياناً كأداة ناعمة لتمطيط الآجال والالتفاف على المكتسبات الدستورية؛ فتجد رخصة فتح مسجد أو مقبرة معطلة لسنوات بين ردهات البلدية والولاية. ولا يرجع هذا التعطيل دائماً إلى سوء نية، بل ينبع في كثير من الأحيان من الجهل الصادم للعديد من موظفي البلديات بنصوص اتفاقية 1992 وبقانون الحريات الدينية؛ حيث يجهل الموظف المحيط بالملف الخصوصية القانونية والدستورية لدور العبادة، ويتعامل معها بمنطق البيروقراطية الجافة الصالحة للمحلات التجارية، مما يجعل كل طرف يلقي بالمسؤولية على الآخر.
بيتنا الداخلي: كلفة الجهل وعقلية الالتواء
لكن الأمانة والإنصاف والحيادية تقتضي مني أن أواجه بيتنا الداخلي بحقيقة مرة: إن جزءاً كبيراً من المعارك الإدارية التي نخسرها، والثمن الباهظ الذي تدفعه المساجد والجمعيات، لا يعود فقط لـ "تعنت الإدارة" كما يحلو للبعض أن يروج، بل يعود مباشرة إلى الجهل بالقوانين المنظمة لهذا الشأن من طرف غالبية المسؤولين عن هذه المؤسسات الدينية بشتى مستوياتها.
لقد عاينتُ طويلاً كيف تُدار مكاتب جمعيات ومساجد من طرف أشخاص يفتقدون للحد الأدنى من الثقافة القانونية الإسبانية، حيث يغيب الوعي بحدود صلاحيات كل مؤسسة، وما هو مسموح به قانوناً وما هو ممنوع، وكيفية التعامل مع كل قطاع إداري بحسب اختصاصه.
والأخطر من الجهل هو تلك "العقلية الالتوائية"؛ إذ يحاول بعض الأشخاص الالتفاف على اشتراطات السلامة، أو معايير الرخص البلدية، أو قوانين التعمير، ظناً منهم أنهم بذكاء عابر يمكنهم وضع الإدارة أمام الأمر الواقع. والنتيجة الدائمة تكون عكسية وصادمة: إغلاق للمساجد، غرامات مالية باهظة، وسقوط في فخ "الشك الأمني والإداري الدائم" الذي تعاملنا به السلطات، والتي لا تجد أمامها سوى وثائق عشوائية تفتقر للحد الأدنى من الأرشفة والتوثيق، مما يُضعف موقف المسلمين وتسيء لصورتهم كشريك يحترم دولة القانون.
جناية القمة: عطالة المفوضية والفيدراليات عن التكوين
وهنا نصل إلى جذر المشكلة وعقدتها البنيوية؛ فهذه العشوائية والارتجال في القواعد ليست قدراً محتوماً، بل هي النتيجة المباشرة لـ تنصل المفوضية الإسلامية (CIE) والفيدراليات من أدوارها التأسيسية. إن الدور الحقيقي والوجودي لهذه الهياكل التمثيلية العليا ــ إضافة إلى الحرص على تفعيل الاتفاقية ــ كان يجب أن يتمحور حول مأسسة الشأن الديني عبر تكوين الأطر المسيرة.
لقد انشغلت القيادات بصراعات المواقع، وأهملت تماماً تنظيم دورات تكوينية، وورشات قانونية، وأدلة إرشادية (Manuales) تمكّن القائمين على المساجد من فهم قوانين التعمير الإسبانية، والالتزامات الضريبية، وطرق تدبير الرخص. هذا الغياب التام لـ "مدرسة التكوين الإداري" داخل المفوضية ترك مسيري المساجد في مواجهة مباشرة وعزلية مع وحش البيروقراطية الإسبانية، مما زاد من حدة العشوائية وعمّق الأزمة.
مقاربة الدولة: هوس المراقبة الأمنية على حساب التكوين الاستباقي
في المقابل، تقع الإدارة الإسبانية والسلطات الأمنية في خطأ استراتيجي موازٍ؛ فبدلاً من أن تحرص الدولة ــ بصفتها الضامنة لتنزيل الحقوق الدستورية ــ على فتح قنوات للتكوين القانوني والإداري الاستباقي لهؤلاء المسيرين، اختارت الطريق الأسهل والأكثر تشنجاً: منطق المراقبة اللصيقة، والمساءلة، والزجر.
ألم يكن من الأجدر بالوزارات الوصية والمؤسسات التابعة للدولة (مثل مؤسسة التعددية والتعايش) بالتنسيق مع الجهات الأمنية والمفوضية والفيدراليات، أن تتبنى مقاربة "وقائية وتأطيرية"؟ إن توفير برامج تكوينية حكومية حول الجوانب القانونية والإدارية لمسيري دور العبادة كان كفيلاً بتفكيك سوء الفهم، ورفع اللبس، وإدماج هذه المؤسسات في نسيج دولة الحق والقانون بشكل سلس. لكن الاكتفاء بـ "دور الشرطي" الذي ينتظر الخطأ ليعاقب بالإغلاق أو الغرامة، يعكس عمق التوجس وبقاء المقاربة الأمنية مهيمنة على المقاربة الحقوقية والاندماجية.
الشفافية الطوعية كسلاح للمأسسة
وفي هذا السياق الإداري المعقد، يغيب عن بال القائمين على المساجد سلاحٌ قد يكون مهماً، وهو "الشفافية الطوعية". فلو أن كل مؤسسة دينية حرصت على اعتماد "الشفافية الرقمية"، بالإعلان الواضح عبر صفحات ومواقع رسمية عن برامجها السنوية، وميزانياتها المالية، وأسماء مسؤوليها، لرفعت عن نفسها اللبس والغموض وتفكيك "منطق الشك الدائم"؛ فوضوح البيت الداخلي يفرض الاحترام وينفي الشبهات.
إن رخص التعمير، وفتح دور العبادة، وتخصيص مربعات الدفن، ليست مجرد معاملات ورقية، بل هي "معركة وعي قانوني" بامتياز. ولن ينصلح حال تنزيل اتفاقية 1992 ما لم ننتقل من عقلية "تسيير الأزمات بالارتجال" وعقلية "المراقبة والشك" من طرف الدولة، إلى عقلية "المأسسة والاحترافية والتكوين المشترك" التي تعرف حقوقها وتلتزم بواجباتها بدقة.
لكن، إذا كان الجهل بالقانون يغلق أمامنا أبواب الإدارة، فماذا عن القيود التي تصنعها بنية مؤسساتنا التمثيلية من الداخل؟ ذلك ما سنشرع في تفكيكه الأسبوع المقبل بحول الله.