اتفاقية 1992: المكتسب النظري والواقع المعطل بعد 36 سنة

فؤاد برني

قبل الشروع في هذا المقال، لا يفوتني أن أتوجه بالشكر الجزيل لكل من تفاعل مع المقال التمهيدي، سواء من خلال كلمات التشجيع والدعم، أو من خلال الملاحظات والانتقادات البنّاءة التي كان كثير منها في محله ويستحق عميق التأمل.

غير أنني لاحظتُ أيضاً أن بعض التعليقات قد وقعت في خلطٍ أراه مفهوماً بالنظر إلى حساسية الموضوع، ولكنه خلط يحتاج إلى تفكيك وبيان. فقد ربط البعض بين الحديث عن الحقوق الدينية للمسلمين والمؤسسات التمثيلية، وبين بعض مظاهر الفوضى أو السلوكيات السلبية التي قد تصدر عن بعض الأفراد في الفضاءات العامة.

والحال أننا أمام ملفين مختلفين تمام الاختلاف؛ فالحديث في هذه السلسلة ينصبّ بالأساس على شقٍّ ديني ومؤسساتي وحقوقي، يتعلق بتفعيل مقتضيات اتفاقية عام 1992، وبكيفية تدبير الشأن الديني الإسلامي داخل إطار دولة القانون والمؤسسات. أما قضايا الاندماج، والأمن العام، والسلوكيات الفردية، فلها نقاشاتها الخاصة وأدوات معالجتها المختلفة، ولا ينبغي بحال من الأحوال خلطها بملف الحقوق الدينية، أو اتخاذها ذريعة للحكم على ملايين الأشخاص أو على دين بأكمله.

ولعل هذا الخلط نفسه سيكون أحد المواضيع الرئيسة التي سنتوقف عندها في مقال قادم من هذه السلسلة؛ إذ يظل فهم طبيعة كل ملف وحدوده شرطاً أساسياً لتفكيك الإشكالات الراهنة التي نناقشها اليوم. وفي الختام، وتأكيداً على قيمة الحوار الراقي، أدعو أولئك الذين يلجؤون في تعليقاتهم إلى لغة السب والشتم إلى محاولة الارتقاء بأسلوبهم واختيار ألفاظهم، فمشاركة الرأي والتعبير عنه حق مكفول للجميع، شريطة أن يظل محكوماً باحترام الذات والآخرين.

عندما يتحدث المسلمون في إسبانيا عن حقوقهم الدينية، كثيراً ما يُشار إلى اتفاقية التعاون الموقعة سنة 1992 باعتبارها أحد أهم المكاسب القانونية في تاريخ الوجود الإسلامي المعاصر بالبلاد.

وعلى الورق، يصعب إنكار أهمية هذه الاتفاقية؛ فقد اعترفت بالإسلام باعتباره جزءاً من الواقع الديني الإسباني، وفتحت الباب أمام حقوق أساسية تتعلق بالتعليم الديني الإسلامي، والرعاية الدينية في المؤسسات العمومية، والمقابر الإسلامية، ووضع الأئمة، وغيرها من المجالات التي يُفترض أن تضمن للمواطن المسلم ممارسة دينه في إطار من الكرامة والمساواة.

لكن بعد مرور ما يقارب ستة وثلاثين سنة، يحق لنا أن نتوقف أمام سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه شديد الإحراج في مضمونه: إذا كانت هذه الحقوق معترفاً بها قانونياً منذ سنة 1992، فلماذا لا يزال المسلمون يطالبون بها إلى اليوم؟

  • لماذا ما زالت أسر كثيرة تواجه صعوبات بالغة في إيجاد فضاءات للدفن الإسلامي؟

  • ولماذا لا يزال تعليم الدين الإسلامي في المدارس العمومية يعيش حالة من التفاوت والارتجال الشديد بحسب المناطق والأقاليم؟

  • ولماذا يُحرم المسلمون في إسبانيا من التمتع بإرثهم التاريخي العريق والعائد لأجدادهم والاعتراف به كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية؟

  • ولماذا لا تستفيد المؤسسات التمثيلية للمسلمين من أموال العطاء الضريبي Casilla del IRPF لتمويل الشؤون الدينية والعمل الاجتماعي أسوة بالكنيسة الكاثوليكية؟

  • ولماذا تبدو بعض الحقوق البدائية وكأنها امتيازات من الدرجة الثانية يتم التفاوض حولها في كل مرة من جديد، بدل أن تكون حقوقاً مستقرة ومضمونة بحكم الدستور والقانون؟

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالمعضلة لا تكمن في نصوص الاتفاقية، لأن النصوص موجودة، ولا تكمن في غياب المطالب، لأن المطالب معروفة ومتكررة منذ عقود، وإنما تكمن في المسافة الفاصلة بين النص القانوني والتنزيل الواقعي؛ إنها المسافة التي تحولت مع مرور الزمن إلى فجوة واسعة بين ما هو مكتوب وما هو مطبق، وبين ما يُعلن رسمياً وما يعيشه المسلم العادي في حياته اليومية.

وخلال السنوات الماضية، اعتاد كثيرون تفسير هذا الوضع بطريقة تبسيطية؛ فالبعض يُرجع كل شيء إلى الدولة الإسبانية، والبعض الآخر يُرجع الفشل كاملاً إلى المؤسسات الإسلامية. لكن التجربة والعمل الميداني علمتني أن الواقع أكثر تعقيداً وتشابكاً من ذلك بكثير.

إن المعوقات الحقيقية التي منعت المسلمين من التمتع بحقوقهم متعددة ومتداخلة، ويمكننا تشريحها تفصيلاً في المستويات التالية:

  • المستوى السياسي والسيادي (الخارجي): المرتبط بطبيعة النظرة السياسية للدولة الإسبانية تجاه الملف الديني الإسلامي وهواجسها الحاكمة له.

  • المستوى الإداري والبيروقراطي: المتمثل في متاهة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم المستقلة والبلديات، والتي تُستغل أحياناً لتعطيل الحقوق.

  • المستوى الهيكلي الداخلي: المرتبط ببنية المؤسسات التمثيلية المسلمة نفسها، ومدى تبنيها لمبادئ الحكامة والشفافية الإدارية والمؤسساتية.

  • مستوى التمويل والولاءات: وأثر التجاذبات الإقليمية والتدخلات الأجنبية في ارتهان القرار المستقل للمسلمين وإضعاف موقفهم التفاوضي كشريك موحد.

  • مستوى فجوة الأجيال: المتمثل في عجز جزء من الهياكل التقليدية عن مواكبة التحولات العميقة وسقف التطلعات الجديد للجيلين الثالث والرابع من المسلمين الإسبان.

لهذا السبب، لا تهدف هذه السلسلة إلى البحث عن مذنب جاهز أو تعليق الإخفاق على شماعة واحدة، بل تسعى إلى محاولة فهم منظومة كاملة من العقبات التي تفاعلت فيما بينها حتى أوصلتنا إلى هذا الجمود الهيكلي.

سنحاول خلال الأسابيع المقبلة أن نقترب من هذه الملفات بهدوء ومسؤولية لتفكيكها، إيماناً بأن فهم المعوقات ليس ترفاً فكرياً، بل هو الخطوة الأولى والأساسية نحو تجاوزها، فلا يمكن إصلاح ما لا نفهمه، ولا يمكن بناء المستقبل على قراءة سطحية للماضي والحاضر.

وفي المقال القادم، سنبدأ بتفكيك أول هذه المعوقات، وربما أكثرها تأثيراً وحساسية: كيف تنظر الدولة الإسبانية إلى المؤسسات الإسلامية؟ وهل يُدار هذا الملف بمنطق الحقوق والمواطنة، أم بمنطق الأمن والسيادة والضبط والرقابة؟

ذلك ما سنحاول مناقشته في الأسبوع المقبل بإذن الله.

تنويه للقراء الكرام: سيكون موعدنا الثابت مع المقالات التحليلية كل يوم خميس، بينما نلتقي كل يوم سبت في مساحة مرنة بحسب الحاجة؛ نخصصها إما لنشر الجزء الثاني من المقال في حال تقسيمه، أو لفتح باب الحوار والرد المباشر على أبرز تعليقاتكم وملاحظاتكم البنّاءة.

Conexión

Transforma tu viaje en una experiencia espiritual.

Rutas

Peregrinación

+34 665197587

© 2025. All rights reserved.

direccion@viajaconfe.com

+34 622704570