ما وراء الحدود: الهجرة من منظور العدالة التاريخية ولاأناقة التبادُل العالمي
فؤاد برني
8/3/20261 دقيقة قراءة


غالباً ما تُقرأ مشاهد التدفقات البشرية عند النقاط الحدودية التماسية من خلال عدسات جيوسياسية ضيقة، تُؤطّر الظاهرة كأزمة أمنية طارئة أو ورقة ضغط دبلوماسي عابرة. غير أن قراءة الظاهرة ببعدها السطحي تغفل الجذور الأكثر عمقاً وتعقيداً؛ فالتحركات البشرية من الجنوب نحو الشمال ليست مجرد اندفاعات عفوية نحو الفرص، بل هي انعكاس مباشر لاختلالات هيكلية تراكمت عبر العقود. إن تتبّع مسارات الهجرة اليوم يتطلب استحضار التاريخ الاستعماري وبنيات التبعية الاقتصادية التي أُعيد إنتاجها في العالم المعاصر، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تُعبر هذه الظاهرة عن استحقاق تاريخي وفاتورة مؤجلة لعلاقات القوة والهيمنة، أم أنها مجرد عرض لخلل تنموي محلي مستمر؟
تُعلمنا الجغرافيا السياسية أن الحدود لم تُبْنَ في فراغ، بل رسمتها موازين القوى. وفي حالة الجنوب العالمي، عانت العديد من المجتمعات عقوداً من نزف الموارد وإضعاف بنيات الدولة الوطنية خلال الفترة الاستعمارية. لم يقتصر تأثير تلك المرحلة على استغلال الثروات الباطنية والزراعية فحسب، بل امتد لربط هذه الدول باقتصادات الغرب عبر علاقات غير متكافئة، وتأسيس جسور لغوية وثقافية جعلت من دول الاستعمار السابق الوجهة الذهنية والمادية الأولى للمهاجرين. ووفقاً لنظرية المنظومة العالمية للأكاديمي إيمانويل والرشتاين، ينقسم العالم إلى "مركز" صناعي متقدم يمتلك المال والتكنولوجيا، و"أطراف" تزوده بالموارد الخام والعمالة. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الهجرة بوصفها حركة فيزيائية حتمية: عندما تُسحب الثروة والفرص وتتراكم في "المركز"، فإن الطبيعة البشرية تتجه تلقائياً نحو نقطة التمركز تلك، لتصبح الهجرة نوعاً من إعادة التوازن التلقائي للثروة المهاجرة أصلاً.
وتتجلى أعمق إشكاليات هذا الاختلال في مفهوم "اللامماثلة في حرية التنقل"؛ إذ ينادي النظام العالمي المعاصر بعولمة بلا حدود، لكنها عولمة انتقائية حازمة. فبينما يتمتع المواطن الغربي بالقدرة على العبور إلى معظم دول الجنوب دون الحاجة لـ "تأشيرة" دخول، أو يستحصل عليها بسهولة للعيش والاستثمار، يواجه المواطن في الجنوب ما يُعرف أكاديمياً بـ "طبقية جوازات السفر"؛ حيث تُفرض عليه الشروط التعجيزية، وتُبنَى في وجهه الجدران وتُعسكر الحدود، مما يحول حق الحركة المفترض بحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى امتياز ينحصر في الطبقات الغنية أو الكفاءات المستقطبة فقط. هذه المفارقة تزيد من الشعور بالظلم التاريخي؛ فالشركات المتعددة الجنسيات والسلع القادمة من الشمال تعبر حدود الجنوب بحرية كاملة، بينما يتم تجريم وتهميش الإنسان القادم من ذات الجنوب إذا حاول تتبع مسار تلك الثروات.
إن إحالة الظاهرة على الماضي وحده قد يُبسط الإشكالية، إذ إن آليات الاقتصاد العالمي المعاصر تلعب دوراً لا يقل أهمية عن التراث الاستعماري. فمن خلال أطر "نظرية التبعية"، يتضح أن طبيعة التبادل التجاري الحالي—والتي تتميز باتفاقيات صيد بحري، واستخراج مناجم، واستغلال طاقات بأسعار تفضيلية لصالح الشمال—تساهم في إبقاء دول الجنوب في دائرة الحاجة والتخلف الهيكلي. يُضاف إلى ذلك ظاهرة "نزيف العقول" الهيكلي؛ حيث يُرحب الشمال بالمؤهلين من أطباء ومهندسين وكفاءات علمية من دول الجنوب لتغطية العجز الديمغرافي ولدعم أنظمة الرعاية لديه، بينما يُغلق الحدود ويُجرم الفئات غير الماهرة. هذا الانتقاء الذكي يفرغ الجنوب من مقومات نهوضه، ويفرغ الطبقات الوسطى التي تقود التغيير.
ولكي تكتمل الرؤية المحايدة، لا يمكن إعفاء النخب السياسية والحكومات في دول الجنوب من المسؤولية، بل إن محاكمتها يجب أن تتجاوز معزوفة "الماضي الاستعماري" كشماعة لتبرير الفساد وسوء الحوكمة. فالواقع يكشف عن حالة من "التواطؤ البنيوي" والانتفاع المتبادل بين نخب الجنوب والقوى الغربية؛ إذ تستفيد النخب الحاكمة في الجنوب مباشرة من هذا النظام غير المتكافئ بتأمين شرعيتها ودعمها الأمني، مقابل استمرار تدفق الموارد بأسعار تفضيلية وحماية مصالح الشركات الغربية. كما تُشكل الهجرة بالنسبة لهذه النخب صمام أمان لتصدير الغضب الشعبي والبطالة الهيكلية، مع الاعتماد الشديد على تحويلات المهاجرين المالية التي تُنعش الاقتصاد المحلي دون الحاجة لإجراء إصلاحات بنيوية. فضلاً عن ذلك، تحولت النخب المحلية إلى "حرس حدود بالوكالة" مقابل مساعدات مالية وصفقات سياسية، مما جعل الهجرة صنيعة تحالف غير معلن بين نخب الجنوب الراغبة في البقاء والاستفادة، ونظام اقتصادي عالمي يفضل التعامل مع ووكلاء مطيعين على التعامل مع دول ذات سيادة تنموية حقيقية.
أمام هذا الانسداد البنيوي، يبرز سؤال جيوسياسي ملحّ ومسكوت عنه: ماذا لو قرر الجنوب العالمي كسر قواعد اللعبة واستخدام نفس منطق "الإغلاق والحماية" الذي يمارسه الشمال؟ تخيل سيناريو تقوم فيه دول الجنوب بتعليق أو إلغاء الاتفاقيات النفعية الموروثة عن حقبة ما بعد الاستعمار، وإغلاق موانئها وأجوائها أمام تصدير النفط والمعادن النادرة والمنتجات الفلاحية حتى يُعاد تقييم أسعارها وفق قيمتها العادلة، إلى جانب إلغاء الامتيازات الممنوحة لكبريات الشركات متعددة الجنسيات وفرض قيود صارمة على حركة رؤوس الأموال والسياح القادمين من الشمال تطبيقاً لمبدأ المعاملة بالمثل. إن مجرد طرح هذا السيناريو يعكس أن الإغلاق ليس حكراً على الشمال، وأن "أزمة الحدود" قد تتحول من أزمة مهاجرين يبحثون عن عبور، إلى أزمة إمدادات وتضخم وإفلاس طاقي تضرب عمق المجتمعات الغربية.
إن التجاهل المستمر للجذور الهيكلية للهجرة ليس مجرد خيار سياسي مؤقت، بل هو تأجيل لفاتورة تاريخية وإنسانية تتزايد فوائدها المركبة؛ فالتاريخ لا يساوم، وتجاهل استحقاقاته لن ينتهي ببناء مزيد من الجدران أو زيادة ميزانيات وكالات حراسة الحدود مثل "فرونتكس". إن الثمن الباهظ يشمل تآكل المنظومة الأخلاقية للنموذج الغربي الذي يتحول إلى قلعة تُحصّن رفاهها بالقوة السليبة مع صعود الخطابات العنصرية، في مقابل الشلل التنموي الدائم في الجنوب نتيجة استنزاف طاقاته الشابة. يُضاف إلى ذلك انفجار أزمات التغير المناخي التي ستولد موجات هجرة قسرية لا يمكن ضبطها بأي بروتوكول أمني، وازدهار شبكات الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر التي تقتات على إغلاق المعابر الشرعية.
إن التعاطي مع الهجرة بمنطق الصدمة الأمنية وعسكرة الحدود لن يغير من حتميتها البنيوية؛ فالحدود الفاصلة بين عالمين لا تفصل فقط بين جغرافيتين، بل بين تاريخين ارتبطا بعلاقات الاستغلال والاختلال التنموي. وطالما بقيت حرية حركة رؤوس الأموال والسياح والبضائع القادمة من الشمال نحو الجنوب مكفولة ومحمية بالقانون الدولي، بينما تُحظر حركة البشر في الاتجاه المقابل وتُقيد أسباب عيشهم في بلدانهم الأصليّة، فإن تدفقات الهجرة ستظل التعبير التلقائي عن البحث عن العدالة التوزيعية. إن الثمن الذي يفرضه التاريخ لا يرحم؛ إما أن تختار البشرية التأسيس لشراكة تنموية عادلة تعترف بالمسؤولية التاريخية، وتضمن حق العيش الكريم والتنقل المتكافئ، وتعمل على تصفية الآثار الهيكلية للماضي والحاضر معاً... أو أن ننتظر جميعا اللحظة التي تنهار فيها الأسوار أمام تراكم الضغوط الاقتصادية والمناخية والديمغرافية، وحينها سيدفع الجميع الفاتورة كاملة دون استثناء.