معضلة التمويل والارتهان الخارجي(الجزء الأول)

فؤاد برني

7/22/20261 دقيقة قراءة

المال والقرار المستقل: أثر التجاذبات الإقليمية والتمويل الحكومي في إضعاف الشريك المسلم

ختمنا الأسبوع الماضي بتشريح واقع القواعد والمساجد، وكيف أدى الغرق في التسيير اليومي الضيق إلى السقوط في فخ التبعية المالية. واليوم، نفتح الملف الأكثر حساسية وتعقيداً في مسار الشأن الديني بإسبانيا: إنه ملف "التمويل وأثره على استقلالية القرار"؛ فالقاعدة السياسية والقانونية الذهبية تقول: "من يملك التمويل، يملك القرار". وفي سياق الشأن الديني الإسلامي في إسبانيا، تحول التمويل إلى مقص ذي فكين: فك ارتهان المحاور والجهات الخارجية، وفك الشروط البيروقراطية للتمويل الحكومي الإسباني، مما حرم الشريك المسلم من ميزة "المخاطب السيادي المستقل".

متاهة التمويل الحكومي: علمانية الدولة وفرض "المسخ الثقافي"

إن أولى المفارقات الصادمة في هذا الملف تكمن في طبيعة الدعم المالي الذي تقدمه الدولة الإسبانية للمفوضية والهيئات الإسلامية؛ فإسبانيا ــ بحسب دستورها ــ هي دولة لادينية () لا تتبنى أي دين، ولكنها تعترف بالحرية الدينية وتلتزم بالتعاون مع المكونات الدينية التي وقعت معها اتفاقيات 1992. ومن رحم هذا التناقض البيروقراطي، ولدت هندسة دعم مالي مشوهة.

فالدولة، وتحت ذريعة عدم تمويل العقائد والممارسات الدينية بشكل مباشر، تفرض شروطاً صارمة على المشاريع المقدمة من الهيئات الدينية؛ حيث تشترط قانوناً ألا يكون المشروع ذا طابع ديني صرف! ولتمرير الدعم، تضطر الإدارة إلى تخصيص شق بسيط جداً وضئيل لـ "الإدارة والتسيير"، بينما تجبر هذه الهيئات على صياغة بقية المشاريع تحت غطاء "الأنشطة الثقافية، والاندماج، وحوار الأديان".

والحقيقة المرة هنا، هي أن هذا الشق الضئيل المخصص لـ "الإدارة والتسيير" غير كافٍ تماماً لتغطية الاحتياجات الأساسية والتشغيلية للهيئات الدينية؛ فمع الغياب التام لآليات التمويل الذاتي، تتعمق الأزمة الهيكلية داخل هذه المؤسسات لدرجة أنها لا تجد في ميزانياتها ما يغطي مصاريف التنقل والاجتماعات العادية، ناهيك عن العجز التام عن تأمين زيارات الإرشاد والتوجيه الديني، وتقديم المرافقة والخدمات الروحية في السجون والمستشفيات ــ والتي تُعد من صميم الحقوق الدستورية المكفولة للمواطنين ــ فضلاً عن القيام بالزيارات التفقدية الميدانية للوقوف على أحوال المساجد والجمعيات المحلية في مختلف الأقاليم.

وتكتمل فصول هذه المعضلة بالعودة إلى تلك الهوة السحيقة التي فصلنا ملامحها وتجلياتها في مقال الأسبوع الماضي؛ والتي أحدثت خلطاً مفاهيمياً وفهماً مغلوطاً للعلاقة بين الهيئات التمثيلية العليا والجمعيات المحلية المنضوية تحت مظلتها؛ فبدلاً من أن تلتف هذه الجمعيات ــ برغم ما تعانيه هي الأخرى من خصاص مالي وحاجة ــ حول مؤسستها التمثيلية وتمولها ذاتياً لضمان استقلال صوتها وقرارها السيادي، حدث العكس تماماً؛ إذ باتت الجمعيات المحلية تنتظر الدعم والتمويل من الهيئات التمثيلية العليا. هذا الفهم المقلوب جعل المؤسسات التمثيلية أسيرة حلقة مفرغة وشلل تام: فإما الارتهان المطلق لمن يملك المال ويقدم التمويل من الخارج، وإما الانكفاء وحبس النفس داخل المكاتب لعدم القدرة المادية على الحركة والنزول للميدان.

وهنا تحديداً يبرز "عامل الثقة" كأهم مفتاح لحل وتفكيك هذه المشكلة؛ فبدون بناء جسور ثقة متينة تجعل الجمعيات والقواعد تؤمن بجدوى وجود ممثل مستقل يستحق الدعم والاستثمار فيه، سيبقى هذا التخبط المفاهيمي قائماً، وستظل الهيئات العليا عاجزة عن الحركة والتمثيل الحقيقي.

هذا الالتفاف الإداري والخلط الهيكلي أحدث تشويهاً كبيراً لدى الفاعلين المسلمين؛ حيث تحولت المفوضية وفدرالياتها ــ قسراً وطمعاً في نيل الفتات الحكومي والرواتب المضمونة ــ من مؤسسات مسؤولة عن رعاية وتطوير حقوق "دينية ودستورية أصيلة" إلى مجرد "جمعيات ثقافية" تدير ملفات الهجرة والمهاجرين. وبدلاً من أن تدافع المفوضية عن التعليم الديني أو المقابر كحقوق انتزاعية، تم تدجينها لتصبح مجرد وسيط إداري ينظم ندوات ثقافية شكلية لإرضاء شروط التمويل الحكومي، مما أفرغ الكيان الديني للمسلمين من جوهره السيادي.

الهروب من معركة "العطاء الضريبي" وعقم الاستثمار الخدمي

إن مأساة الارتهان المالي للهيئات التمثيلية العليا لا تعود فقط إلى شروط الدولة أو رغبة الخارج في الهيمنة، بل تعود بالأساس إلى "قصور نضالي وعقم ابتكاري" لدى المفوضية وفدرالياتها؛ ويتجلى ذلك في مسارين رئيسيين كانا كفيلين بإنقاذ الشأن الديني من التبعية لو تم تفعيلهما:

  1. التقاعس عن انتزاع حق "العطاء الضريبي" :

تتيح الدولة الإسبانية للمواطنين تخصيص نسبة من ضرائبهم لدعم الكنيسة الكاثوليكية أو لدعم مشاريع اجتماعية أخرى. ورغم أن اتفاقية 1992 تفتح الباب نظرياً لتطوير آليات التعاون المالي، إلا أن المفوضية الإسلامية لم تخض طوال عقود أي "معركة مرافعة قانونية أو سياسية حقيقية" لانتزاع خانة خاصة بالمسلمين في الإقرار الضريبي، أسوة بالكنيسة. هذا التقاعس حرم المسلمين في إسبانيا (الذين يتجاوز تعدادهم المليونين ونصف المليون) من تدفق مالي سيادي وقانوني محلي يُجمع من ضرائبهم هم، وكان كفيلاً بتحقيق استقلال مالي كامل وتغطية كافة نفقات الهياكل والمساجد والتعليم الديني الخاص، دون الحاجة لقرش واحد من الخارج أو من صناديق الدعم المشروطة للدولة.

  1. غياب المشاريع الخدمية ذات العائد التنموي (النزول للقواعد):

بدلاً من ابتكار مشاريع استثمارية وخدمية ملموسة تعود بالنفع على القواعد وتدر مداخيل ثابتة للهيئة التمثيلية، فضلت القيادات البقاء في برج عاجي خلف المكاتب، تنتظر الفتات أو الهبات. هذا العجز عن النزول إلى القواعد بمشاريع استثمارية مشتركة جعل المفوضية عبئاً على الجمعيات بدلاً من أن تكون رافعة لها، مما رسخ التبعية وأدى في النهاية إلى هذا الشلل البنيوي والغياب التام لعامل الثقة.

التدفقات الخارجية وهواجس "التبعية"

وأمّام هذا الشح في الدعم الحكومي الداخلي وحصره في القوالب الثقافية الضيقة، وجدت بعض الهياكل العليا والمساجد نفسها ــ في كثير من الأحيان ــ أمام خيارات تمويلية بديلة تمثلت في قبول تدفقات مالية قادمة من الخارج. ويرى مراقبون ومحللون للشأن الديني أن هذه الأموال، سواء أتت من مؤسسات رسمية أو جهات خارجية مانحة في العالم الإسلامي، قد لا تكون دائماً مجرد "تبرعات طوعية" بلا مقابل؛ بل يُخشى في بعض الحالات أن تكون محملة بتطلعات لفرض توجهات فكرية أو سياسية معينة تخدم الجهات المانحة وتطالب بنوع من التقارب معها، مما قد يهدد بانسلاخ بعض الجمعيات المحلية من روح المواطنة ويضعها في خانة الامتداد غير الرسمي لأجندات خارجية.

ومع ذلك، تجدر الإشارة والتنبيه هنا إلى أن الإدارة الإسبانية وضعت ترسانة من الضوابط والقنوات القانونية الصارمة التي يجب أن يمر عبرها أي تمويل خارجي لضمان الشفافية ومحاربة تبييض الأموال؛ وبناءً عليه، فإن أي تجاوز لهذه القنوات الرسمية أو الالتفاف عليها يُعتبر خرقاً قانونياً مداناً ومرفوضاً لا يمكن تبريره تحت أي ظرف.

انعكاسات هذه الهواجس على العلاقة مع الدولة

إن هذا التوجس من الارتهان المزدوج ــ بين شروط الدولة البيروقراطية وبين احتمال الخضوع لولاءات جهات خارجية مانحة ــ هو الذي يضعف الشريك المسلم ويهز هيبته ومصداقيته التفاوضية؛ فعندما تجلس الإدارة في مدريد للتفاوض مع ممثلي المسلمين، قد يتملكها انطباع بأنها لا تقف أمام شريك وطني خالص، بل ترى كياناً يغلب عليه التشتت: شق منه يسعى لتأمين شروط التمويل الثقافي المحلي الشحيح، وشق آخر قد تحوم حوله شبهات التحرك بإيعاز أو بتمويل من جهات خارجية بعيداً عن القنوات القانونية المعتمدة.

هذه الضبابية والتبعية المفترضة هي الحجة القانونية والسياسية التي قد تتذرع بها الدولة لتبرير تجميد بعض بنود اتفاقية 1992 تحت غطاء حماية "السيادة الوطنية" وضبط الأمن المالي، وهو المأزق الذي سنفصله أكثر في الجزء الثاني من هذا المقال.

Conexión

Transforma tu viaje en una experiencia espiritual.

Rutas

Peregrinación

+34 665197587

© 2025. All rights reserved.

direccion@viajaconfe.com

+34 622704570