من الجمود الهيكلي إلى التفكير في المستقبل: شهادة من الداخل واقتراحات لتحريك المياه الراكدة
فؤاد برني
7/30/20261 دقيقة قراءة


من الجمود الهيكلي إلى التفكير في المستقبل: شهادة من الداخل واقتراحات لتحريك المياه الراكدة
مقدمة: شهادة مسؤولية ولحظة مكاشفة
نصل اليوم إلى المحطة الأخيرة من هذه السلسلة التحليلية التي امتدت لسبعة أسابيع؛ والتي لم تكن الهدف منها سوى تقديم شهادة صادقة من داخل هذا الجسم المؤسساتي، تفكك بعين معايشة ومبصرة مكامن الخلل التي أدت إلى شلل الشأن الديني الإسلامي في إسبانيا. لقد توقفنا طوال الأسابيع الماضية عند كلفة الارتهان للتمويل والتوجيه الخارجي، وتعطيل اتفاقية 1992، وتحول التمثيلية إلى ريع، وصولاً إلى فجوة الأجيال والاغتراب المزدوج الذي يعاني منه شبابنا.
إن القيمة الحقيقية لأي شهادة أو نقد لا تكتمل إلا بالانتقال من تشخيص الواقع إلى حافز التغيير؛ لذا لا أطرح ما يشرُف به هذا المقال الختامي بوصفه "وصفة سحرية" أو "حلولاً منجزة"، بل بوصفه رؤية واجتهادات شخصية أردتُ من خلالها تحريك المياه الراكدة، وفتح نقاش هادئ، واعي، وصادق يسهم في تصحيح المسار والنهوض بالواقع الراهن.
الجزء الأول: قراءة في مآلات الجمود وشروط الحوار الصادق
1. واقع الجمود ومآلاته الخاطفة:
إن القراءة المتأنية للواقع تبين أن استمرار الهياكل العليا الرسمية في الالتفاف على التغيير وتجاهل مقتضيات المراجعة الذاتية يضع الشأن الإسلامي في إسبانيا أمام حقائق ومخاطر داهمة:
الانفصال التام الراهن بين القاعدة والمؤسسات: هذا معطى واقعي نعيشه اليوم بالفعل؛ حيث اتسعت الفجوة حتى بات وجود المفوضية والفدراليات شكلياً وبروتوكولياً محضاً، بينما انطلق الجيل الجديد في بناء شبكات ومبادرات مدنية مستقلة وموازية خارج التأثير المؤسساتي، مما عمّق أزمة التمثيلية المشروعة أمام الدولة والمجتمع.
خطر إلغاء اتفاقية 1992 بقرار أحادي: الاستمرار في هذا العجز الهيكلي يمنح السلطات الإسبانية مسوّغاً قانونياً وسياسياً لمراجعة أو إلغاء اتفاقية التعاون لعام 1992 من طرف واحد نتيجة غياب الشريك الموثوق والشفاف، مما يهدد بنسف أهم كسب تاريخي لمسلمي هذا البلد.
التهميش والتأطير الإداري والأمني المحض: تجاوز الهياكل العليا كلياً والتركيز على التعامل المباشر مع الأطر المحلية (البلديات والحكومات الذاتية) عبر تدابير إدارية وأمنية، مما يفرغ الحضور الإسلامي من أبعاده الحقوقية الشاملة.
2. أرضية أولية للتغيير الحقيقي (القطع مع الممارسات السابقة):
لكي يتحول أي نقاش إلى فعل نافع، أرى من موقع التجربة أن هناك شروطاً وجدانية ومؤسساتية لا بد من توفرها لتهيئة البيئة المناسبة للتغيير:
التخلي الشجاع عن ريع التبعية: إدراك جميع الأطراف أن التمثيل الديني للمسلمين في إسبانيا يجب أن يستمد شرعيته واستقلاليته من البيئة المحلية والقوانين الوطنية، بعيداً عن أشكال التوجيه أو التمويل الخارجي غير الشفاف.
الانتقال إلى المنطق الدستوري والمواطنة: التوقف عن مخاطبة أجهزة الدولة بمنطق "الجالية الدينية المستضعفة"، وبناء خطاباتنا ومطالبنا على قاعدة الحقوق والواجبات المكفولة في الدستور الإسباني وسيادته.
الجزء الثاني: المقترحات العملية لبناء نموذج مؤسساتي وثقافي حديث
إن الاقتراحات الشخصية التالية هي بمثابة خارطة طريق أولية معروضة للنقاش والإثراء بين الكفاءات والنخب والمؤسسات الراغبة في التغيير:
1. الإصلاح المتبادل بين الدولة والمؤسسات (تغيير مقاربة الإدارة الإسبانية)
التحول من التعاطي الأمني إلى الشراكة والتسهيل الإداري: إحداث تحول جذري في تعاطي مؤسسات الدولة والإدارة الإسبانية مع الشأن الديني الإسلامي، بالانتقال من المقاربة الأمنية المبنية على الشك والريبة، إلى منطق التعاون المؤسساتي، وتسهيل المساطر القانونية والإدارية، والتعامل مع المؤسسات الإسلامية الممثلة على قدم المساواة مع باقي المكونات الدينية والمجتمعية الأخرى.
ترسيخ الإسلام كمكون تاريخي وليس كدين دخيل: القطع الإداري والسياسي مع النظرة التقليدية التي تتعامل مع الإسلام بوصفه "ديناً طارئاً أو دخيلاً"، والاعتراف المؤسساتي الصريح به كعنصر أصيل ومكون من المكونات التاريخية والحضارية لإسبانيا، بما يضمن إنهاء التمييز البنيوي.
2. التحول الثقافي والتربوي لدى عامة المسلمين (تغيير العقلية)
الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج والعطاء: العمل التوعوي والتربوي الجاد لتغيير عقلية التلقي المجهد والمطالبة السلبية المنتظِرة للخدمات، إلى عقلية البناء، والمبادرة، والمساهمة الإيجابية والمواطِنة في نماء المجتمع الإسباني بأسره.
من النقد الهدام والتخوين إلى النقد البناء والإصلاح: إشاعة ثقافة الحوار المسؤول داخل أوساط المسلمين، والتوقف عن رمي التهم والتباكي على الآخر، واستبدال ذلك بعقلية التقييم الذاتي المنصف والبحث عن الحلول العملية الجادة.
3. تمكين المكونات الذاتية (زرع الثقة وتيسير سُبل العمل)
زرع الثقة في الشباب والنساء (عربهم وعجمهم): كسر ثقافة الإحباط والوصاية، والإيمان المطلق بالطاقات الشابة وبمحورية دور المرأة والمسلمين من غير الأصول العربية (من إسبان أصليين وأفارقة وآسيويين وغيرهم) في قيادة وصياغة المشهد.
فتح مجالات العمل وتيسير المبادرات: إزالة العوائق التنظيمية أمام الطاقات الشابة والنخب الأكاديمية والمهنية، وفتح أبواب المؤسسات والجمعيات في وجوههم، وتوفير البيئة الحاضنة والميسّرة لمبادراتهم العلمية، الحقوقية، والاجتماعية.
4. تنظيم المؤتمرات والإصلاح القانوني للمفوضية
تنظيم مؤتمرات وطنية جامعة: إطلاق ملتقيات وطنية شجاعة يشارك فيها الفاعلون المسلمون من كافة الأطياف لمناقشة حلول جذرية وعاجلة للخروج من حالة الضبابية.
تغيير القانون الأساسي للمفوضية: إقرار قانون أساسي جديد يفتح مجال المشاركة العادلة لكل الهيئات والجمعيات المتواجدة فعلياً داخل التراب الإسباني دون استثناء أو إقصاء.
ربط المسؤولية بالمحاسبة الدوريـة: خضوع كافة المسيرين والإداريين لآليات محاسبة ومساءلة دورية شفافة تمنع احتكار القرار أو الاستئثار بالمناصب.
5. التموضع الحقوقي: النضال من أجل تنزيل وتحديث اتفاقية 1992
من مجرد وسيط إداري إلى ممثل حقوقي يناضل بالوسائل المشروعة: التحول إلى ممثل حقيقي يخوض نضالاً حقوقياً ومؤسساتياً جاداً لتنزيل كافة بنود اتفاقية 1992 المعطلة (كالمقابر، التعليم الديني، الأوقاف، والمنتجات الحلال).
المطالبة بتحديث وتطوير الاتفاقية: العمل الدؤوب والمؤطر قانونياً على مراجعة وتحديث بنود الاتفاقية بما يستجيب للواقع الجديد والحاجيات الفعلية للمسلمين كمواطنين إسبان في القرن الحادي والعشرين.
6. الحوكمة المالية والتوطين اللغوي
الحوكمة والتدقيق المالي المستقل: إخضاع المؤسسات لتدقيق مالي سنوي من طرف مؤسسة محاسبية خارجية معتمدة لإضفاء الاحترافية والمصداقية القانونية، وتدلي بها المؤسسات عند الحاجة وفي جموعها العامة وفق الضوابط المعمول بها.
التأطير باللغة الإسبانية وتأسيس مجلس استشاري: جعل اللغة الإسبانية شيفرة رسمية وأساسية للتواصل والخطاب المؤسساتي، وتأسيس مجلس استشاري وفكري مستقل يضم نخبة من أبناء البلد لمتابعة القضايا الفكرية والاجتماعية.
خاتمة السلسلة: أمانة الكلمة ومسؤولية المستقبل
إن ما أوردته في هذه السلسلة لم يكن يوماً محاولة للإحباط أو تصفية الحسابات، بل كان واجب شهادة ونُصحٍ صادق من واقع خبرة وتجربة عاشت هذه الصراعات من الداخل ورأت أثرها على الضياع التدريجي لحقوق أجيال كاملة.
إن إسبانيا هي الوطن النهائي لمئات الآلاف من المسلمين الذين ولدوا ونشأوا في ربوعها؛ والمسؤولية التاريخية تحتم على الجميع استدراك الزمن الهادر. أتمنى أن تكون هذه الشهادة، وتلك الاقتراحات المطروحة — بدءاً من مراجعة مقاربة الدولة الإسبانية، وتغيير العقلية السائدة، وزرع الثقة في شبابنا ونسائنا، وتغيير القانون الأساسي، واعتماد التدقيق المالي المستقل، والنضال لتنزيل وتحديث اتفاقية 1992 — نداءً هادئاً يوقظ الهمم، ويحرك المياه الراكدة، ويفتح حواراً واعياً ومستفيضاً بين أبناء هذا الوطن لبناء مؤسسات تمثيلية حديثة، مستقلة، وشفافة، تنتزع المواطنة الكاملة وتصون كرامة الجميع.