تشريح البيت الداخلي (الجزء الأول)

فؤاد برني

7/19/20261 دقيقة قراءة

صراع التمثيلية في المفوضية: من هندسة "الكيان ذي الرأسين" إلى متاهة الدساتير الملتفة على الكفاءات

عندما نتأمل تعثر تنزيل اتفاقية 1992، ومتاهات الإدارة التي ناقشناها الأسبوع الماضي، يبرز أمامنا السؤال الأبرز والأكثر إلحاحاً وإحراجاً: هل فعلاً تمثّل هذه المؤسسات القائمة المسلمين في إسبانيا؟

للإجابة عن هذا السؤال بنزاهة تاريخية وشجاعة ميدانية، يغدو من الواجب علينا فتح الصندوق الأسود للهياكل العليا، وتحديداً "المفوضية الإسلامية في إسبانيا" (CIE). ومن واقع معايشتي اللصيقة ومواكبتي لتفاصيل هذا الهيكل طيلة سنوات من داخل ردهاته وفي أعلى مستويات اتخاذ القرار فيه، يمكنني القول بكامل المسؤولية إن تاريخ هذه البنية يكشف عن خلل بنيوي عميق في المفهوم والتمثيل؛ فالمفوضية في حقيقتها ليست سوى تجمع لفيدراليات، وهذه الأخيرة ما هي إلا شبكات تضم جمعيات دينية محددة، وبالتالي فهي لا تمثل عموم المسلمين في إسبانيا بل تمثل فقط المنتسبين لتلك الأطر الضيقة. كما أن القراءة المتأنية لمسارها تلمح إلى ما يشبه إرادة مبطنة لجهات معينة لم تكن ترغب في قيام مؤسسة قوية ومتجانسة للمسلمين في هذا البلد؛ حيث كانت الكيان الديني الوحيد في إسبانيا الذي وُلد مشوهاً بـ "رأسين" (ثنائية القيادة)، في هندسة مقصودة لتكريس التجاذب وشل الحركة.

الولادة القيصرية عام 1992: سياق التأسيس وهندسة التعطيل

ولفهم هذه المعضلة، لا بد من العودة إلى سياق التأسيس؛ فالمفوضية الإسلامية لم تولد من رحم حراك ديمقراطي عفوي للقواعد، بل كانت نتاج "هندسة إدارية فوقية" فرضتها الدولة الإسبانية قبيل توقيع اتفاقية التعاون التاريخية عام 1992. كانت الإدارة الإسبانية آنذاك تبحث عن "مخاطب وحيد" يجمع شتات المكونات الإسلامية اليافعة. ومن هنا، تم قسراً دمج قطبين رئيسيين متنافرين في بنية واحدة هجينة: القطب الأول هو الفدرالية الإسبانية للهيئات الدينية الإسلامية "الفيري" (FEERI) تأسست عام 1989 والتي كانت تضم تاريخياً نسبة هامة من المسلمين الإسبان الأوتوكتونيين (الذين اعتنقوا الإسلام) أو المنحدرين من مسلمي الأندلس الذين أخفوا إسلامهم طيلة العقود الماضية، والقطب الثاني هو اتحاد الجمعيات الإسلامية بإسبانيا "الأوسيدي" (UCIDE) تأسست عام 1992 والتي تشكلت على عجل لتجميع الجمعيات ذات الخلفية المهاجرة.

هذا التجميع القسري بين رؤيتين وخلفيتين مختلفتين أفرز صيغة "الرأسين" المتساويين في الصلاحيات (الأمينين العامين المشتركين)، وهي صيغة لم تكن تهدف إلى تحقيق الوحدة، بل كانت آلية ذكية ومبطنة زرعتها الإدارة لضمان بقاء هذا الكيان الديني في حالة "فيتو متبادل" وشلل مستمر، مما يسهل التحكم فيه من الخارج ويفقد المسلمين قدرتهم على المبادرة المستقلة ككتلة واحدة متجانسة.

هذا الانسداد الداخلي استدعى سنة 2011 تدخلاً أحادياً من الدولة، والتي قامت بتعديل المادة الأولى من القانون المنظم، لتسمح قانوناً بالتحاق الفدراليات الجهوية والوطنية بالمفوضية دون الحاجة إلى موافقة هذه الأخيرة. وكان هذا الأمر مستحيلاً من قبل، لأن الموافقة كانت تتطلب إمضاءين من قطبي المفوضية، وهو التوقيع الثنائي الذي استحال الحصول عليه لسنوات بسبب الصراع المعطل. وفي نفس السنة (2011)، وبعد اجتماعات تفاوضية ماراثونية ضمت كل المكونات، تأسس "المجلس الإسلامي الإسباني" بهدف إحداث مؤسسة تمثيلية جديدة تكون بديلة للمفوضية وتكسر هذا الطوق، غير أن هذه التجربة لم تتجاوز للأسف مرحلة التأسيس الجنينية.

منعطف 2012: بارقة الأمل وفكرة اللجان التقنية العابرة للجمعيات

أمام هذا الوضع، شهدت سنة 2012 حراكاً داخلياً غير مسبوق، حيث تجمعت جميع الفدراليات في مدريد واتفقت على إنهاء عهد الانقسام وتوحيد القيادة؛ حيث انتُخب مكتب مسير واعد حظي برئاسة رئيس "الفيري" (FEERI). وهنا بدأت مرحلة جديدة تميزت بوعي حقيقي لمعضلة التمثيلية الجوفاء للفيدراليات؛ حيث فُتح الباب لضخ الكفاءات والطاقات المسلمة وإشراكها بفعالية، دون اشتراط انتمائها لأي جمعية دينية.

ولتحقيق ذلك، اسْتُحْدِثَتْ لجان تقنية متخصصة ومستقلة تغطي كل بند من بنود الاتفاقية (كالتعليم، الأوقاف، المقابر، الرعاية الدينية، وغيرها). وكانت الفكرة الأساسية هي تفكيك احتكار الجمعيات الدينية واستيعاب النخب والكفاءات المستقلة من مختلف الثقافات والأصول والجنسيات، ممن يملكون إرادة صادقة في خدمة مسلمي هذا البلد، مما أعطى انطباعاً حقيقياً بأن قاطرة الشأن الديني قد وضعت أخيراً على السكة الصحيحة وفق رؤية مؤسسية حديثة ومتكاملة تتجاوز منطق المحاصصة الضيق.

منعرج 2015: كواليس الإزعاج الإداري وضغوط "الخيوط العابرة للحدود"

لكن هذا الأمل لم يدم طويلاً؛ ففي سنة 2015 حدث تغير دراماتيكي بتدخل مباشر من الإدارة الإسبانية التي لعبت دور "الوسيط" لإعادة صياغة التوازنات. وربما كان هذا المنعرج نتاجاً مباشراً لإحساس السلطات الإسبانية بنوع من الإزعاج والمفاجأة؛ جراء الديناميكية القوية وغير المعهودة التي تحركت بها جميع ملفات الاتفاقية العالقة في وقت وجيز جداً وبكفاءة عالية.

وفي ذات الوقت، ربما وجدت الإدارة نفسها في موقف حرج وضغط شديد أمام قوى أجنبية (دول الأصل)؛ والتي قد تكون أحست بتوجس كبير بأن خيوط التحكم والوصاية والرقابة التي كانت تفضل مدّها على جالياتها في إسبانيا بدأت تضيع وتفلت من يديها لصالح قيادة مواطناتية مستقلة واللجان التقنية المليئة بالكفاءات الحرة. التقت هذه المصالح التوازنية استجابةً أيضاً لقيادة "الأوسيدي" (UCIDE) التي لم تعجبها مخرجات مؤتمر مدريد 2012 وحركية اللجان التقنية ومشاركة تلك الكفاءات الشابة والمستقلة، رغم أن ممثليها حضروا وشاركوا في ذلك المؤتمر.

ونتيجة لهذه الوساطة الحكومية المحفوفة بالحسابات الجيوسياسية، وكشهادة للتاريخ عشت تفاصيلها في مفاوضات ألفين وخمسة عشر، قدم رئيس "الفيري" تنازلاً كبيراً وتاريخياً عن رئاسته تضحيةً منه للمصلحة العليا، مقابل الاتفاق على قانون أساسي جديد يضمن توحيد القيادة ويفتح باب المشاركة لجميع الكفاءات بنزاهة وتكافؤ الفرص. لكن الصدمة الكبرى حدثت قبيل التسجيل القانوني للدستور في ردهات وزارة العدل؛ حيث تم الالتفاف بطرق ملتوية على تلك البنود الجوهرية والمهمة التي اتُّفق عليها، ليفاجأ الجميع بقانون أساسي للمفوضية يفرغ العمل المؤسساتي واللجان التقنية من محتواها، ويعيد حصر القرار في دائرة ضيقة تعطي لرئيس المفوضية صلاحيات مطلقة ومقدسة؛ ليصبح هو "الآمر والناهي الوحيد" دون حاجة للتشاور مع أحد، وهو الذي يملك وحده حق اختيار أعضاء المكتب المسير، وحق جمعه متى أراد وإلغائه متى أراد وهو الذي يختار ممثليه في الأقاليم.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حال المفوضية لا زال على هذا الركود المعيب والوضع المعطوب إلى يومنا هذا، ولم يغير من الواقع شيئاً رجوعُ أعضاء "الفيري" الذين انسحبوا من قبل، مما يؤكد من خلال التجربة الميدانية أن العقدة تكمن في البنية التشريعية والتنظيمية المقيدة، وليس في الأشخاص فقط.

التهميش المفتعل للمسلمين الإسبان "الأصليين" وعقدة الأجنبي

ويعمق هذه الأزمة غيابُ التنوع الثقافي والمواطناتي داخل مكاتب المفوضية، وهنا لا بد من الإشارة بإنصاف وشجاعة، ومن واقع ما رصدته وعايشته شخصياً في مطبخ القرار، إلى أن تهميش المسلمين الإسبان الأصليين (الأوتوكتونيين) يبدو كمسألة مفتعلة وممنهجة؛ بهدف ترسيخ فكرة نمطية مفادها أن "الإسلام دين دخيل" على هذا المجتمع، وأنه مجرد ظاهرة طارئة وصلت فقط مع تدفقات المهاجرين.

ولعل هذا الإقصاء، حسب قراءتي واستقرائي للمشهد من الداخل، يُخشى أنه يخدم مباشرة تلك العقلية الاستعلائية والممارسات الأحادية من طرف بعض أجهزة الدولة، مثلما لعله يكرس داخل الهياكل العليا ما يشبه عقلية "الاستجداء والتبعية"؛ حيث يُلاحظ أن القيادات تظل تتحرك أحياناً بمنطق الدخيل الذي يستجدي أن يُقبل به، عوضاً عن التحرك بمنطق المواطنة الأصيلة الواثقة التي تطالب بحقوقها الدستورية برأس مرفوع. وقد ينضاف إلى هذا الإقصاء الثقافي غيابٌ نراه غامضاً ومثيراً للتساول لفئة الشباب من أبناء المسلمين، وهم الذين يحملون تكويناً أكاديمياً عالياً وفهماً عميقاً لواقع المجتمع الإسباني، لكن ربما جرى تهميشهم أو انكفاؤهم طوعاً أو كرهاً لإبقاء الدائرة مغلقة على نفس النخب التقليدية، وإبعاد الكفاءات الحرة والمهنية.

غير أن ما يُستشف من هذا المنظور القيادي الذي عهدناه، هو انحراف في تعريف دور المفوضية نفسها؛ حيث يظهر أن قادة هذا الهيكل اليوم لا يعتبرون أنفسهم بالضرورة محامين ومدافعين ومفاوضين أشداء عن الحقوق المسطرة في اتفاقية 1992 بصفتهم الجهة الشرعية الممثلة للمسلمين، بل باتوا يتبنون دور "الوسيط الإداري والسياسي" بين المسلمين والدولة. هذا التحول من منطق "الدفاع والانتزاع" إلى منطق "الوساطة والملاينة" هو ما قد يفسر ذلك البرود المطبق والحياد السلبي في تعاطي المفوضية مع الأحداث والمنعطفات الكبرى والمؤلمة التي عاشها ويعيشها المسلمون في هذا البلد، حيث بدا لنا في محطات عدة أن القيادة فضّلت لعب دور المطافئ لإرضاء الإدارة على حساب صون كرامة وحقوق قواعدها.

الفدراليات: من الوعي الوظيفي إلى "حمّى التجميع" والتحكم في المعلومة

هذه الأزمة القيادية والفلسفية في الأعلى تفسر لنا الانحراف الملحوظ الذي واكبناه في بنية الفدراليات (المحلية والوطنية) في الأسفل. فالفدرالية في تعريفها الأصيل هي أداة دعم وتكوين مسيري الجمعيات الدينية؛ لكن واقع الحال يكشف أنها دخلت في سباق محموم تمليه "حمّى تجميع الجمعيات"؛ حيث أصبح الهدف الأسمى لكل فدرالية هو ضم أكبر عدد ممكن من الجمعيات الدينية إلى لوائحها، طمعاً في تحقيق "التفوق العددي" الذي يضمن لها كراسي أكثر داخل المفوضية.

وفي زحمة هذا التكالب على المقاعد والأصوات، غاب التكوين الإداري للمسيرين، واختفت الاستشارات القانونية والمرافقة الميدانية الواجبة أمام السلطات المحلية في معارك الرخص والمقابر والتعليم والحلال... بل الأدهى من ذلك، هو لجوء بعض الجهات داخل هذه الفدراليات إلى أسلوب "الاستحواذ على المعلومة" واحتكار المستجدات القانونية، كأداة لإبقاء الجمعيات الدينية في حالة تبعية دائمة لها وجهل مستمر بحقوقها، لضمان أصواتها في مواسم الانتخابات.

إن هذا التشريح الصادم يؤكد أن أزمة الشأن الديني ليست مؤامرة خارجية فقط، بل هي نتاج حكامة معطوبة وهياكل فُصّلت على مقاس أشخاص أقصوا الكفاءات وهمّشوا الشباب والجمعيات الدينية، وهو واقع القواعد الصامتة الذي سنشرع في تفكيكه يوم السبت المقبل بحول الله.

Conexión

Transforma tu viaje en una experiencia espiritual.

Rutas

Peregrinación

+34 665197587

© 2025. All rights reserved.

direccion@viajaconfe.com

+34 622704570